مع انتهاء آخر جمعة من الصوم الكبير، تستعد مصر القبطية للاحتفال بعيد القيامة المجيد، الذي يحمل في طياته تاريخًا يمتد لألفي عام من الحكايات والطقوس الثابتة عبر الزمن. في البيوت القديمة والحديثة، تستعيد الذاكرة الجماعية للأقباط تفاصيل هذا العيد، الذي يمثل أكثر من مجرد مناسبة دينية.

يمتد العيد على مدار ثلاثة أيام، تبدأ بسبت النور، وتبلغ ذروتها في ليلة القيامة، ثم تتواصل الاحتفالات في يوم الأحد. يروي الأقباط قصتهم السنوية مع القيامة، حيث تتداخل الصلوات مع الفرح، وتختلط الطقوس الكنسية بالموروث الشعبي، في مشهد يعكس استمرارية هذه التقاليد عبر العصور.

قبل بدء الاحتفالات، يأتي “سبت النور”، الذي يحمل معنى خاصًا في ذاكرة الأقباط. يوضح الباحث أشرف أيوب أن هذا اليوم سُمّي بهذا الاسم نسبة إلى النور الذي يظهر في القبر المقدس في كنيسة القيامة. ينتظر المؤمنون هذا النور الذي يضيء الكنائس، ويعتبر لحظة روحية مميزة.

تبدأ الطقوس في القدس، حيث كان المسيحيون يُكحِّلون عيونهم فرحًا بنور المسيح، وهو تقليد لا يزال موجودًا في بعض القرى المصرية. يردد الحجاج أغنية تتحدث عن نور المسيح، مما يعكس عمق هذا التقليد في الثقافة الشعبية.

مع اقتراب منتصف ليلة السبت، تبدأ “ليلة عيد القيامة”، التي تعتبر العيد الحقيقي بالنسبة للكثيرين. تتحول الكنائس إلى فضاءات من النور، حيث تُرفع الستائر البيضاء وتُشعل الشموع. يدخل المصلون بملابس جديدة، ويستمر القداس حتى الساعات الأولى من صباح الأحد، حيث تتخلله صلوات وتراتيل تعبر عن الانتصار على الموت.

بعد القداس، يعود المصلون إلى منازلهم لتناول أول وجبة دسمة بعد 55 يومًا من الصوم. يجتمع أفراد الأسرة حول المائدة، حيث يمثل الطعام نهاية رحلة طويلة من الصبر الروحي.

مع شروق شمس الأحد، تنتقل الاحتفالات إلى الحياة اليومية، حيث تتصدر الكعك والبسكويت موائد العيد. يحرص الكبار على منح الصغار العيدية، وهي تقليد متوارث يحمل فرحة خاصة للأطفال.

تجمع الطقوس بين المصريين، مسلمين ومسيحيين، في زيارة المقابر خلال الأعياد. يحمل النساء سلالًا من الخبز والكعك لتوزيعها على زوار المقابر، في مشهد يعكس روح التعاون والرحمة.

في اليوم التالي، يتحول العيد إلى احتفال شعبي واسع يعرف بـ”شم النسيم”، حيث تخرج الأسر إلى الحدائق وضفاف النيل. تتنوع الأطعمة المرتبطة بهذا اليوم، مثل البيض الملون والفسيخ، مما يعكس جذور الثقافة المصرية القديمة.

تظل حكاية عيد القيامة في مصر مزيجًا من الإيمان والتاريخ والذاكرة الشعبية، حيث تستمر الطقوس الحية في تفاصيل الحياة اليومية للأقباط. في كل عام، حين تُضاء الشموع وتدق الأجراس، يشعر المصريون بأن هذه الطقوس ليست مجرد تقاليد دينية، بل جزء من روح هذا البلد الذي يحفظ ذاكرته عبر القرون.