في ظل التساؤلات المتكررة حول مصادر السنة النبوية، يبرز دور علماء الحديث في توضيح الحقائق المتعلقة بجمع الأحاديث النبوية والرد على الشكوك حول صحتها.
أكد الدكتور ربيع سعد، العالم الأزهرى والمشرف العلمي على المنصة الرقمية لوزارة الأوقاف، أن جهود المحدثين، وعلى رأسهم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، جاءت كامتداد لمسيرة طويلة من الحفظ والتدوين بدأت منذ عصر الصحابة، ولم تكن اختراعًا لأحاديث جديدة.
هل الإمام البخاري «اختلق» علم الحديث؟
أوضح الدكتور ربيع سعد، في تصريح خاص، أن الإمام البخاري لم يخترع أحاديث كتابه المعروف باسم «الجامع الصحيح»، بل قام بجمعها وتصنيفها وفق شروط علمية دقيقة، ضمن مسار طويل من تدوين السنة النبوية بدأ منذ عصر الصحابة.
وأشار إلى أن الحديث النبوي الشريف كان محفوظًا في صدور الصحابة، حيث اعتمدوا على قوة الحفظ، بالإضافة إلى وجود بعض الكتابات الفردية، مثل ما دوّنه عبد الله بن عمرو بن العاص، والصحيفة التي كتبها علي بن أبي طالب.
مراحل تدوين الحديث
ذكر أن مرحلة التابعين شهدت جمعًا غير رسمي للسنة، حيث قام بعض العلماء بتدوين ما سمعوه من روايات الصحابة. وفي أواخر القرن الأول الهجري، أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بجمع السنة رسميًا، وكلف الإمام محمد بن شهاب الزهري بذلك، لتبدأ مرحلة التدوين المنظم.
أضاف أن جمع السنة لم يكن اختراعًا للأحاديث، بل توثيقًا لما نُقل عن النبي ﷺ، حيث انتقلت السنة من الحفظ إلى التدوين، حفاظًا عليها من الضياع.
لفت إلى أن مسيرة التدوين استمرت عبر الأجيال، حتى جاء الإمام أحمد بن حنبل الذي جمع «المسند» وضم نحو 30 ألف حديث، قبل ميلاد البخاري، مما يؤكد وجود مادة الحديث مدونة بالفعل.
مرحلة التصنيف في علم الحديث
أوضح أن مرحلة التصنيف بلغت ذروتها مع كبار المحدثين مثل الإمام البخاري والإمام مسلم والإمام الترمذي، الذين قاموا بجمع الأحاديث وتصنيفها وفق مناهج مختلفة. تميز البخاري بوضع شروط دقيقة وصرامة في قبول الحديث، مما جعل كتابه «صحيح البخاري» يُعد أصح كتب الحديث.
أكد سعد أن وجود أحاديث صحيحة خارج «صحيح البخاري» أمر متفق عليه بين العلماء، مشيرًا إلى أن الكتاب يضم أعلى درجات الصحيح، لكنه لا يستوعب كل الأحاديث الصحيحة، حيث إن كثيرًا من أحاديثه موجودة في مصادر سابقة مثل «مسند أحمد».
اختتم بالتأكيد على أن علماء الحديث عبر العصور لم يختلقوا الأحاديث، بل بذلوا جهودًا كبيرة في جمعها وتمحيصها وتوثيقها وفق قواعد علمية صارمة، حفاظًا على السنة النبوية الشريفة.

