تتزايد أزمة الطاقة عالميًا نتيجة التوترات في مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، مما يضع اقتصادات الدول أمام ضغوط متزايدة تشمل كلفة النقل والإنتاج والمعيشة، في ظل سباق إقليمي لتأمين الإمدادات وتفادي تداعيات قد تؤثر على النمو والاستقرار الاقتصادي.
امتدت تداعيات الأزمة إلى باب المندب، حيث هدد الحوثيون في اليمن حركة الملاحة، مما أدى إلى تراجع كبير في حركة الشحن بين آسيا وأوروبا، واضطرت السفن إلى الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، ما زاد من الكلفة والتأخير في الإمدادات. كما تصاعدت الأزمة مع استهداف منشآت الغاز في قطر، ما زاد الضغط على الأسواق الأوروبية والآسيوية.
تبدو الأزمة الحالية اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام الصدمات المفاجئة، في ظل استمرار آثار أزمات سابقة. تواجه صناعة الغاز اضطرابات طويلة في الخليج، وتدفع الاقتصادات الناشئة الثمن، حيث يفقد العالم طاقة تعادل ما يكفي لتشغيل منازل مدينة سيدني لمدة عام كامل.
أدى الهجوم الإيراني على قطر لتعطيل نحو 17% من قدرتها على تصدير الغاز الطبيعي المسال، وقد تستغرق أعمال الإصلاح ما يصل إلى خمس سنوات، وفقًا للرئيس التنفيذي لشركة قطر للطاقة. كما أدت الحرب إلى سحب 11 مليون برميل نفط يوميًا من الإمدادات العالمية، ووصفت وكالة الطاقة الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتي النفط في السبعينات مجتمعتين.
قدرت شركة استشارات الطاقة إف جي إى نكسانت إى سى إيه أن النفط قد يقفز إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز خلال الأسابيع المقبلة. وأوضح رئيس مجلس الإدارة الفخري، فريدون فشراكى، أن كل أسبوع هناك 100 مليون برميل من النفط لا تمر، مما يعني خسائر هائلة في السوق.
تقلبت العقود المستقبلية للنفط في نهاية شهر مضطرب، متأثرة بتقرير لصحيفة وول ستريت جورنال يفيد بأن ترامب مستعد لإنهاء العمليات العسكرية الأمريكية في إيران حتى إذا ظل مضيق هرمز مغلقًا. كما زادت التقلبات نتيجة ضربة إيرانية جديدة استهدفت ناقلة في الخليج العربي.
خلال شهر واحد فقط من اندلاع المواجهة، قفزت أسعار النفط بشكل حاد، حيث ارتفع خام برنت بنحو 55% ليصل إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل، فيما اقترب الخام الأمريكي من 100 دولار، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بأكثر من 70%، ما يعكس حجم الضغوط على قطاع الطاقة عالميًا.
الأزمة لم تقتصر على الطاقة فقط، بل امتدت إلى مختلف القطاعات الصناعية، حيث أظهرت تحليلات اقتصادية أن نحو 15 مجموعة من المنتجات تأثرت بارتفاع الأسعار، بما في ذلك المواد الخام للصناعات الكيميائية والأسمدة والبلاستيك والمعادن. وتراوحت نسب الزيادة بين 10% و50%، مما يشير إلى موجة تضخم قد تضرب سلاسل الإنتاج بالكامل.
قال رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية في تي دي سيكيوريتيز، جينادى جولدبرج، إن الأسواق غير متأكدة من كيفية التفاعل مع التطورات الجيوسياسية الأخيرة، مشيرًا إلى أن السيناريوهات الجيوسياسية غير واضحة. كما أن الحرب التي دخلت أسبوعها الخامس لا تظهر أي بوادر على الانتهاء، مما أبقى أحد المؤشرات الرئيسية لأسعار النفط فوق مستوى 110 دولارات للبرميل.
تتزايد المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي من الدخول في مرحلة ركود تضخمي، وهي حالة تجمع بين تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار. وحذر المستشار الألماني فريدريش ميرز من أن استمرار الحرب سيضع عبئًا ثقيلاً على الاقتصاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن التداعيات المحتملة قد تكون بنفس حدة الأزمات الكبرى التي شهدها العالم مؤخرًا.
يعد قطاع الطيران من أكثر القطاعات تضررًا، حيث تضاعفت أسعار وقود الطائرات لتصل إلى مستويات قياسية، مما دفع شركات طيران أوروبية إلى رفع أسعار التذاكر ودراسة تقليص عدد الرحلات. وحذر ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، من أن القطاع لن يكون قادرًا على استيعاب هذه الزيادات، مؤكدًا أن انعكاسها على المسافرين بات أمرًا حتميًا.
لم تتوقف الأزمة عند حدود الطاقة والنقل، بل امتدت إلى قطاع الصناعة، خاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والصلب، حيث تعتمد هذه الصناعات بشكل أساسي على استقرار أسعار الطاقة. ومع الارتفاع الحالي تواجه الشركات الأوروبية ضغوطًا متزايدة، مما قد يدفعها إلى رفع الأسعار أو تقليص الإنتاج، كما أن ارتفاع أسعار المواد المرتبطة بالطاقة، مثل البلاستيك، ينذر بتداعيات أوسع.

