تتجدد اليوم ذكرى تأسيس الأزهر الشريف، الذي تجاوز عمره ألف عام، ليظل أحد أبرز معالم الحضارة الإسلامية ومناراتها العلمية. بدأت حكايته مع تأسيس مدينة القاهرة، حين شرع القائد جوهر الصقلي في تشييده في الرابع من أبريل عام 970، ليكون رمزًا لسلطان الدولة الفاطمية. استمر العمل في بنائه قرابة سبعة وعشرين شهرًا، حتى افتُتح للصلاة في يونيو 972، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مؤسسة علمية ذات تأثير عابر للحدود.

لم يكن اسم الأزهر هو الاسم الأول لهذا الجامع، إذ عُرف في بداياته بـ«جامع القاهرة»، ارتباطًا بالمدينة التي نشأ فيها. غير أن التسمية التي استقرت لاحقًا ارتبطت بالسيدة فاطمة الزهراء، مما منح المكان بعدًا روحيًا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ الأزهر ينسج هويته الخاصة، جامعًا بين العبادة والعلم، ومؤسسًا لتقليد علمي ظل ممتدًا عبر العصور.

شهد الأزهر تحولات عميقة في مسيرته، ارتبطت بطبيعة التحولات السياسية والفكرية في مصر. ففي بداياته كان أداة لنشر المذهب الشيعي في ظل الحكم الفاطمي، غير أن هذه المرحلة لم تدم طويلًا. جاء التحول الحاسم مع نهاية الدولة الفاطمية وصعود صلاح الدين الأيوبي، الذي أعاد توجيه الحياة الدينية في مصر نحو المذهب السني. ومع هذا التحول، فقد الأزهر وظيفته السابقة، وتراجع دوره مؤقتًا، قبل أن يستعيد مكانته تدريجيًا في عصور لاحقة.

ومع دخول العصر المملوكي، بدأ الأزهر مرحلة جديدة من الازدهار، حيث أعيد إحياء دوره العلمي، وأصبحت حلقاته الدراسية مقصدًا للطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وقد تبنى سلاطين المماليك دعمه وتطويره، فاستعاد مكانته مركزًا للدراسات السنية وفق المذاهب الأربعة، خاصة في ظل تراجع مراكز علمية أخرى نتيجة الاضطرابات التي شهدها العالم الإسلامي آنذاك. وهكذا، تحوّل الأزهر إلى قبلة علمية كبرى، تتلاقى فيها العقول والاتجاهات.

وفي العهد العثماني، حافظ الأزهر على حضوره القوي، واستمر في أداء رسالته العلمية والدينية، متخذًا من اللغة العربية وعاءً للمعرفة. لم يقتصر دوره على التعليم الديني فحسب، بل أصبح فضاءً رحبًا للحوار الفكري، ومأوى للعلماء والطلاب الذين وفدوا إليه من شتى الأقطار.

ولم يكن الأزهر بعيدًا عن قضايا المجتمع والوطن، بل كان في قلب الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر. لعب علماؤه أدوارًا بارزة في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية، ووقفوا في وجه الاحتلالات الأجنبية، وأسهموا في تشكيل الوعي الوطني. كان لهم دور حاسم في لحظات مفصلية، مثل اختيار محمد علي حاكمًا لمصر، فضلًا عن مشاركتهم في مقاومة الحملات العسكرية الأجنبية.

كما خرج الأزهر عبر تاريخه شخصيات بارزة تولت مواقع قيادية في دول عدة، مما يعكس امتداد تأثيره خارج الحدود المصرية. لم يتوقف الاهتمام به عند حد دوره العلمي، بل امتد إلى العناية بعمارته وتطويره، حيث شهد عبر العصور عمليات توسعة وترميم متواصلة، كان آخرها مشروع الترميم الشامل الذي اكتمل في عام 2018.

وفي صورته المعاصرة، لم يعد الأزهر مجرد جامع، بل منظومة متكاملة تضم هيئات علمية ودعوية وتعليمية متعددة، تشمل الجامعة والمعاهد ومراكز البحوث، بما يعكس تطور دوره واتساع مجالات تأثيره. يظل الأزهر شاهدًا حيًا على تاريخ طويل من العطاء، يجمع بين الأصالة والتجدد، ويواصل أداء رسالته بوصفه أحد أهم أعمدة الفكر الإسلامي في العالم.