قال الدكتور ثروت إمبابي، أستاذ مساعد بكلية الزراعة جامعة بنها ورئيس لجنة الزراعة والري بحزب الوعي، إن الحروب الحالية لم تعد مجرد صراعات عسكرية تقليدية بل تحولت إلى أزمات مركبة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع التحولات السياسية، مما يؤثر بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل القطاع الزراعي.

وأضاف في بيان أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران يمثل نموذجًا واضحًا لهذا النوع من الصراعات، حيث تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية لتؤثر على الأمن الغذائي العالمي، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الزراعية.

وأشار إمبابي إلى أن التأثير يبدأ من أسواق الطاقة، إذ يؤدي أي توتر في منطقة الخليج إلى اضطراب إمدادات النفط والغاز، مما ينعكس على ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، موضحًا أن الزراعة الحديثة تعتمد بشكل كبير على الطاقة في تشغيل الآلات وعمليات الري والنقل والتخزين، ومع ارتفاع أسعار الوقود تتزايد الأعباء على المزارعين، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار المنتجات الزراعية.

التأثير على مدخلات الإنتاج

أضاف أن التأثير لا يتوقف عند هذا الحد بل يمتد إلى مدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الأسمدة التي تعتمد صناعتها بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، لافتًا إلى أن ارتفاع أسعار الغاز يؤدي إلى زيادة تكلفة الأسمدة أو نقص توافرها، مما يدفع المزارعين إلى تقليل استخدامها، وهو ما يؤدي بدوره إلى انخفاض الإنتاجية وارتفاع أسعار الغذاء وزيادة معدلات التضخم الغذائي.

وأشار إمبابي إلى أن سلاسل الإمداد العالمية تتعرض أيضًا لاضطرابات نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن احتمالات تعطل بعض الممرات الملاحية الحيوية، مما يؤدي إلى تأخر وصول السلع الزراعية ومدخلات الإنتاج، ويخلق فجوات في الأسواق المحلية، ويزيد من تقلبات الأسعار، مما يضع صانعي القرار أمام تحديات معقدة تتطلب تدخلات سريعة ومدروسة.

أضاف أن الدول النامية، ومن بينها مصر، تتأثر بشكل أكبر بهذه الأزمات نظرًا لاعتمادها النسبي على الاستيراد في العديد من السلع الاستراتيجية مثل الحبوب والأعلاف ومدخلات الإنتاج، مؤكدًا أن ارتفاع الأسعار عالميًا يفرض ضغوطًا إضافية على الموازنة العامة ويؤثر على القدرة الشرائية للمواطنين.

وأشار إلى أن التعامل مع هذه الأزمة يجب ألا يكون مجرد رد فعل مؤقت بل يتطلب رؤية استراتيجية شاملة قائمة على فهم عميق للتحديات الهيكلية التي يعاني منها القطاع الزراعي، موضحًا أن الأزمة الحالية، رغم صعوبتها، تمثل فرصة لإعادة هيكلة المنظومة الزراعية على أسس أكثر استدامة وكفاءة.

أضاف إمبابي أن تحقيق قدر مناسب من الاكتفاء الذاتي، خاصة في المحاصيل الاستراتيجية، لم يعد خيارًا بل ضرورة حتمية تفرضها اعتبارات الأمن القومي، مؤكدًا أهمية التوسع الأفقي والرأسي في الزراعة من خلال زيادة المساحات المزروعة وتحسين إنتاجية وحدة المساحة باستخدام التقنيات الحديثة مثل الزراعة الذكية ونظم الري المتطورة.

ضرورة توطين صناعة الأسمدة

وأشار إلى أن تنويع مصادر الاستيراد يعد من الأدوات المهمة لتقليل المخاطر بحيث لا تعتمد الدولة على منطقة جغرافية واحدة قد تتأثر بالصراعات، لافتًا إلى أن توطين صناعة الأسمدة ومدخلات الإنتاج يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقلالية الزراعية، لما له من دور في الحد من التأثر بالتقلبات العالمية.

أضاف أن إنشاء مخزون استراتيجي من السلع الزراعية يعد أداة فعالة لامتصاص الصدمات وضمان استقرار الأسواق لفترات زمنية مناسبة، مشددًا على أهمية دعم المزارعين من خلال سياسات واضحة تضمن لهم هامش ربح عادل وتوفر مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، إلى جانب تسهيل الوصول إلى التمويل والخدمات الإرشادية.

تحقيق الأمن الغذائي

وأشار إمبابي إلى أن المزارع يمثل حجر الزاوية في تحقيق الأمن الغذائي، وأن أي إهمال في دعمه ينعكس سلبًا على المنظومة بأكملها، مؤكدًا في الوقت نفسه أهمية ضبط الأسواق ومواجهة الممارسات الاحتكارية من خلال تفعيل الرقابة وتعزيز سلاسل الإمداد المباشرة لتقليل عدد الوسطاء وخفض الأسعار النهائية.

وأكد أن تداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لم تعد مجرد أزمة سياسية بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن الغذائي وضغوط الاقتصاد العالمي، مشددًا على أن تبني رؤية استباقية قائمة على التخطيط العلمي والتكامل بين السياسات الزراعية والاقتصادية يمثل السبيل الأمثل لمواجهة هذه التحديات وضمان توفير الغذاء بأسعار عادلة ومستقرة.