أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن شخصية “المحتسب” كانت من أبرز الشخصيات في حياة الناس قديمًا، موضحًا أنه لم يكن مجرد موظف يراقب الأسواق، بل كان ضمير المدينة الساهر الذي يتابع كل ما يجري في الشارع من الأسعار والوزن ونظافة المياه وجودة الخبز، وفي شهر رمضان كان لدوره طابع خاص، إذ يتحول إلى حارس للبركة وحامٍ لهيبة الشهر الكريم.
المحتسب كان يلف الأسواق ليراقب الغش والظلم
أوضح خلال حلقة برنامج «رمضان حكاية مصرية»، المذاع على قناة الناس، أن المحتسب كان يلف الأسواق ليراقب الغش والظلم ورفع الأسعار، فيمنع خلط الدقيق الرديء بالطيب، ويحاسب من يخفف اللبن بالماء، ويمنع بيع التمر الفاسد أو إخفاء السلع لرفع ثمنها لاحقًا، مشيرًا إلى أن المؤرخين ذكروا أن له سلطة كبيرة، فإذا رأى تاجرًا ظالمًا أوقفه في السوق وحكم عليه في الحال، كما كان يراعي الأعذار لمن يفطر لعذر، لكنه يسأل من يفطر بغير عذر حفاظًا على هيبة رمضان التي كان يعتبرها جزءًا من الحفاظ على الدين ذاته.
أضاف أستاذ التاريخ والحضارة أن المحتسب في العصر المملوكي أصبح رمزًا من رموز رمضان، تعرفه الناس في الأسواق قبل المغرب، يتأكد من تعليق الفوانيس، وانتشار الروائح الطيبة، وألا يكون هناك جائع مظلوم أو غني ناسٍ للفقراء، وكان من مهامه أيضًا الأمر بإضاءة الشوارع، ومتابعة المآذن والمقرئين، ومراقبة المجالس ومنع الغيبة والنميمة، لأن رمضان في مفهومه لم يكن صيامًا عن الطعام فقط، بل صيامًا عن الأذى.
للمحتسب موكب خاص في رمضان
أشار إلى أن كتب التاريخ تذكر أن للمحتسب موكبًا خاصًا في رمضان، يسير بين الناس ومعه الأعوان والجنود، وفي يده عصا لم تكن للبطش، بل رمزًا للعدل والضمير الذي يسهر ليطمئن غيره، وكان مجرد ظهوره في السوق علامة على عودة الخير ودخول رمضان إلى البيوت، لأن العدالة هي أول نفس من أنفاس الشهر الكريم.
أكد على أن المحتسب لم يكن شرطيًا ولا جلادًا، بل رجلًا يحمي البركة من الضياع، ويذكر الناس بأن الدين ليس خوفًا، بل رحمة ونظام ونظافة وعدل، متسائلًا أنه لو وُجد في زماننا محتسب كما كان قديمًا، لقال للناس: أفطروا على نور قلوبكم قبل أن تفطروا على تمر أو ماء، لأن رمضان في جوهره حكاية مصرية متجذرة في الضمير والوجدان

