تولي المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا بعملية رصد الأهلة وتحديد بداية الأشهر الهجرية، وفقًا للسنة القمرية. هذه العملية الدقيقة تدار تحت إشراف المحكمة العليا، التي تضمن موثوقية الترائي بعدد من الضمانات، أبرزها اختبارات طبية لفحص حدة النظر لدى المترائين، وعرض أوراق الترائي على اللجنة الإشرافية الدائمة بوزارة العدل، برئاسة وزير العدل.
إلى جانب الترائي التقليدي، تعتمد المملكة على المراصد الفلكية الحديثة في مواقع مختلفة مثل تمير، سدير، الرياض، المدينة المنورة، القصيم، الظهران، شقراء، حائل، وتبوك. ويتم الرصد بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري لتحديد بداية الشهر الجديد بدقة عالية.
أول المراصد الفلكية في المملكة وتاريخها
بدأت السعودية مسيرة الرصد الفلكي منذ عام 1948، عندما أنشئ أول مرصد فلكي على جبل أبي قبيس بمكة المكرمة في عهد الملك عبدالعزيز، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى برج الساعة في مكة المكرمة. وفي عام 1957، تم افتتاح مرصد المدينة العالمي، الذي أصبح من أقدم وأهم المراصد لرصد هلال رمضان وعيدي الفطر والأضحى.
ومع مرور الوقت، توسعت شبكة المراصد في المملكة لتشمل:
- مرصد جامعة الملك عبد العزيز (1975)، الذي ركز على البرامج البحثية والتعليمية في علوم الفلك والفضاء.
- مرصد البيروني (1990) التابع لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، على إحدى القمم الجبلية غرب مكة، نسبة إلى العالم الفلكي الشهير أبو الريحان البيروني.
- مراصد جامعات أخرى مثل مرصد جامعة الملك سعود (1984) ومرصد الملك فهد للفلك بالعلا (1985)، التي ساهمت في تطوير البحث العلمي في الفلك وتعزيز رصد الأهلة.
وفي عام 2003، أطلقت السعودية مركز خادم الحرمين الشريفين للأهلة وعلوم الفلك في أعلى برج ساعة مكة المكرمة، ليكون أكبر شبكة مناظير فلكية لرصد الأهلة في 7 دول حول العالم.
آلية الترائي والمعايير الدقيقة
تتم عملية ترائي الأهلة عبر ندب قضاة في مواقع المراصد المختلفة تحت إشراف مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وبحضور متخصصين في علوم الفلك. يتم اختيار مواقع الرصد وفق عدة معايير لتسهيل العملية وضمان دقة النتائج.
- يُرصد الهلال بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين من الشهر القمري.
- إذا تم رؤية الهلال ولو بدقيقة واحدة، يُعتبر الشهر ناقصًا 29 يومًا.
- وفي حال عدم رؤيته، يُكمل الشهر 30 يومًا، ويبدأ الشهر الجديد بعد ذلك.
التطور التقني في رصد الأهلة
مع التطور التكنولوجي، لم يعد الرصد يعتمد على العين المجردة فقط، بل يتم استخدام أجهزة الرصد الإلكترونية والحواسيب لتحديد:
- مواعيد شروق وغروب الشمس والقمر بدقة.
- مواضع الشروق والغروب والزاوية بين الشمس والقمر.
- مسار الهلال في السماء وشدة استضاءته.
هذه التقنيات تمكن الفلكيين من إصدار نتائج دقيقة، وتقليل الأخطاء البشرية، وضمان صحة بدء الأشهر الهجرية في المملكة.

