أدب المنصات يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم النص الأدبي ودور الكاتب، فهو نتاج رقمي يتشكل من خلال تفاعل مستمر مع الجمهور، حيث يصبح النص مسودة حية تتغير وفقًا لمزاج المتلقين، بينما الرواية التفاعلية تكسر احتكار المؤلف للحبكة، مما يجعل القارئ شريكًا في صناعة الأحداث وتوجيه مصائر الشخصيات، سواء من خلال التصويت المباشر أو التعليقات التي تلاحق الكاتب فصلاً بعد فصل، هذا التحول ينقل الكتابة من الفضاء المغلق إلى الفضاء المشاع، محولًا الأدب من فعل فردي إلى تجربة جماعية تتفاعل مع الملايين.

في هذا السياق الرقمي، لم تعد القيمة الأدبية تُمنح من قبل لجان التحكيم أو النقاد، بل أصبحت تُقاس بعدد المشاهدات ومرات الإعجاب، تجربة سارة ريفانس، الشابة الجزائرية، تعكس هذا التحول، فقد بدأت من غرفتها وحققت نجاحًا كبيرًا بروايتها “الرهينة”، متفوقة على أسماء أدبية معروفة، ليس بسبب لغة متقعرة، بل لأنها أدركت لغة العصر الرقمي، روايتها التي بدأت على منصة واتباد حققت ملايين القراءات قبل أن تُطبع، تعبر عن فلسفة جديدة في السرد تعتمد على الرومانتيكية السوداء، مما جعل الروائي واسيني الأعرج يعتبرها بارقة أمل لجيل الكتاب الجديد.

عندما تحدث رولان بارت عن موت المؤلف، كان يقصد انفصال النص عن منتجه، لكن في أدب المنصات يظهر المؤلف التفاعلي الذي يبقى حاضرًا كقائد لفرقة تمثيلية حية، فالكاتب هنا لا يكتب نصًا مغلقًا، بل يدخل في حالة بروفة دائمة مع الجمهور، في الأدب التقليدي كان المحرر هو من يقرر مصير النص، أما اليوم فقد انتقلت هذه السلطة إلى الجماهير الرقمية، التي تملك حق الفيتو على مصير أي شخصية، عبر نظام التعليقات اللحظية، يتلقى الكاتب نقدًا فوريًا وأوامر بتغيير مسار الحبكة، وهذا ما يُعرف بالكتابة الرشيقة، حيث يتطور النص بناءً على تجارب المستخدمين، مما يمنح القارئ شعورًا بالاستحقاق.

أحد الأمثلة على هذا التأثير هو ما يحدث في روايات منصة واتباد، حيث يضطر بعض المؤلفين تحت ضغط التعليقات إلى إحياء شخصيات كانوا قد قرروا قتلها، أو تغيير هوية الشريك العاطفي للبطلة، هذا النوع من السرد يجعل القارئ يشعر بسلطة وهمية لكنها مؤثرة، فهو لم يعد مجرد متلقٍ بل يساهم في كتابة القصة، رواية مثل “بعد” لآنا تود حققت أكثر من مليار قراءة، ورواية “كشك القبلات” لبيث ريكلز تجاوزت تسعة عشر مليون قراءة، هؤلاء الكتاب لم يعودوا مؤلفين بالمعنى التقليدي، بل أصبحوا صناع علامات تجارية قابلة للتطوير.

جيل ما بعد الألفية، أو جيل زد، يتعلق بهذا النوع من الأدب لأنه نشأ في أحضان وسائل التواصل الاجتماعي، لا يعرف الفصل بين الاستهلاك والمشاركة، القراءة الصامتة بالنسبة له هي فعل منقوص، يريد أن يقرأ ويعلق ويناقش في نفس اللحظة، أدب المنصات يوفر له هذا المجتمع الرقمي، كما أن القفلات التشويقية في نهاية كل فصل تشبع لديه الحاجة للإثارة المستمرة والتحفيز الذهني اللحظي.

نحن أمام انتقالة من النص الثابت إلى النص السائل، الذي لا يكتمل أبدًا ويظل قابلًا للتعديل، مما يطرح تساؤلات حول جودة هذه الأعمال، فهل كثرة القراءات تعني جودة الفن؟ النقاد ينقسمون هنا، فبينما يرى البعض أنها دمقرطة للأدب، يرى آخرون أنها تضحية بالعمق لصالح الانتشار، الكاتب يتحول إلى عبد لذائقة الجمهور بدلاً من أن يكون قائدًا لها، الصراع في أدب المنصات يحدث بين الكاتب وجمهوره أيضًا.

هذا النوع من الكتابة يتميز ببنية درامية تجعله قابلًا للتحول إلى محتوى مرئي، الاعتماد على السرد المتسلسل والتركيز على العلاقات العاطفية والصراعات النفسية يجعل النص جاهزًا للتصوير، شركات الإنتاج بدأت تتعامل مع منصات مثل واتباد كمختبرات لجس نبض الجمهور، الروايات الرقمية أصبحت مصانع للأفلام والمسلسلات، مما يفسر كيف تحولت إلى ظواهر عالمية.

أدب المنصات يعكس رغبة في التحرر من الهياكل السلطوية القديمة، الشاب الذي يكتب على هاتفه في قرية نائية يملك نفس فرصة الوصول التي يملكها كاتب في العاصمة، هذه العدالة الرقمية سمحت لأسماء مثل مرسيدس رون أن تصبح ظاهرة عالمية، إننا أمام صناعة تتمحور حول تجربة المستخدم، مما يفرض إعادة تعريف مفهوم الأدب ذاته، هل هو النص الجميل لغويًا أم النص القادر على تحريك مشاعر الملايين؟

الرواية التفاعلية تجسد حلم السرد الذي لا ينتهي، حيث يمكن للقصة أن تمتد بناءً على رغبة المجتمع القارئ، مما يحولها إلى أسطورة معاصرة يشارك الجميع في كتابتها، هذا التلاحم بين الكاتب والجمهور سيحدد شكل الثقافة في العقود القادمة، حيث ستختفي الفوارق بين المنتج والمستهلك، ويصبح الجميع شركاء في رحلة البحث عن المعنى، أدب المنصات هو دعوة للجميع للمشاركة في صياغة الحكاية الكبرى للبشرية، إن نجاحات الروايات الرقمية هي مجرد قمة جبل الجليد، فالقادم هو تداخل أكبر بين الذكاء الاصطناعي والسرد التفاعلي، حيث قد نصل إلى مرحلة يختار فيها القارئ نهاية الرواية بنفسه.

أدب المنصات والرواية التفاعلية ليسا مجرد موضة عابرة، بل هما انعكاس لتحول عميق في العلاقة بين الإنسان والحكاية، الإنسان يبحث دائمًا عن قصة تعبر عنه، وفي العصر الرقمي لم يعد يكتفي بأن يكون مستمعًا، بل أراد أن يلقي بحطبه في النار لتزداد اشتعالا.